مصطفى صادق الرافعي

96

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

سبق المادة الأصلية مِنْ سُلالَةٍ هي الخلاصة المختارة من الكيفيات الأصلية بعد الامتزاج بالتفعل الثاني مما ركب منها بعد امتزاج القوى والصور ، والتنويه باسمه « 1 » إما للصورة والرطوبات الحسية ، أو لأنه السبب الأقوى في تحجر الطين وانقلابه وكسر سورة الحرارة وإحياء النبات والحيوان اللذين هما الغذاء الكائنة عنه النّطف ، وهذا الماء هو المرتبة الأولى والطور الأول ، وقوله مِنْ سُلالَةٍ يشير إلى أن المواليد كلها أصول للإنسان وأنه المقصود بالذات الجامع لطباعها ، ثم جعله نطفة بالإنضاج والتخليص الصادر عن القوى المعدة لذلك ، ففي قوله ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً تحقيق لما صار إليه الماء من خلع الصور البعيدة ؛ والضمير إما للماء حقيقة أو للإنسان بالمجاز الأولى . وقوله فِي قَرارٍ مَكِينٍ يعني الرّحم « 2 » ، وهذا هو الطور الثاني ، ثم قال مشيرا إلى الطور الثالث : ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً أي صيرناها دما قابلا للتمدّد والتخلق باللزوجة والتماسك « 3 » . ولما كان بين هذه المراتب من المهلة والبعد ما سنقرره ، عطفها ب ( ثم ) المقتضية للمهلة - كما بيّن أدوار كواكبها ، فإن زحل يلي أيام السلالة المائية لبردها ، والمشتري يلي النطفة لرطوبتها ، والمريخ يلي العلقة لحرارتها وهذه الثلاثة هي أصحاب الأدوار الطوال . ثم شرع في المراتب القريبة التحويل والانقلاب التي يليها الكواكب المتقاربة في الدورة وهي ثلاثة : ( أحدها ) : ما أشار إليه بقوله فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً أي حوّلنا الدم جسما صلبا قابلا للتفصيل والتخليط والتصوير والحفظ وجعل مرتبة المضغة في الوسط ، وقبلها ثلاث حالات وبعدها كذلك . لأنها الواسطة بين الرطوبة السيالة والجسم

--> ( 1 ) الضمير راجع إلى الماء الذي يكون منه الجبين : وهو المكنى عنه بلفظ ( سلالة ) وظاهر الأنطاكي لا يحمل العبارة على خلق الإنسان الأول . ( 2 ) في وصف القرار بأنه ( مكين ) إعجاز يفهمه الأطباء والذين درسوا التشريح ، فقد ثبت أن الرحم مجهز في تكوينه وفي خصائصه بما يمكن أشد التمكين للجرثومة التي يكون منها اللقاح ؛ ففيه مخابئ لها عجيبة خلقت لذلك خلقا ، ثم مواد منفرزة لوقايتها وحفظ الحياة عليها والدفاع عنها أن تقتلها المواد الحامضة ولذلك كله تجده في تشريح كلمة ( مكين ) . ( 3 ) لم يكن العرب يعرفون من كلمة ( العلقة والعلق ) إلا أنها الدم الجامد . ولكن الكلمة إعجاز كإعجاز ( مكين ) التي تقدم شرحها : فقد ثبت في آخر ما انتهى إليه تكوين الجنين أن الجرثومة التي يكون منها اللقاح في ماء الرجل تعلو رأسها نازعة كالسنان : فتهاجم البويضة في الرحم وتبعجها بسلاحها فتخرقها وتعلق بها ، فإذا هما قد امتزجا ، فهذا هو السر في تسمية التحول الأول للنطفة ( علقة ) وتأمل قوله ( فَجَعَلْنا ) فإن فيها كل هذه الحركة بين الجرثومة والبويضة . ولقد قرأنا هذه الآية الكريمة على طبيب مسيحي محقق فاضل من أصدقائنا ، ونبهناه إلى هذه الدقائق فيها فقال : آمنت بما أنزل على محمد .